2/5/2008
العرب اليوم - محمد ابو عريضة
كشفت دراسة اكاديمية حديثة على عينة من 400 طبيب اسنان منتشرين في كافة محافظات المملكة ان 41% منهم لا يسعون لاتخاذ التدابير اللازمة, لحماية انفسهم ومرضى اسنان يراجعونهم من الاصابة بامراض وبائية, يأتي التهاب الكبد الوبائي »ب + ج« »HEPATITIS B + C« في مقدمتها.
ويقول الباحث طبيب الاسنان بهاء عمرو, الذي حصل على درجة الماجستير عن دراسته آنفة الذكر ان نتائج الدراسة اصابته بالذهول, ودفتعه لاعادة تقييم كافة مراحل الدراسة, والمنهجية التي اتبعها, وتحليل البيانات, في محاولة منه لتفادي التوصل الى استنتاجات من شأنها تشكيل انطباعات وقناعات سلبية عن قطاع اطباء الاسنان الذي ينتمي اليه شخصيا, ومع انه كان لا يتمنى ان تظهر نتائج الدراسة واقع القطاع غير الحسن, خاصة في البعد المتعلق بوسائل التعقيم, وتدابير الوقاية, الا ان »الشمس لا تُغطى بغربال«.
ويعزو د. عمرو حال القطاع الذي لا يسر صديقاً ولا يغيظ عدواً الى غياب سياسة التعليم المستمر لدى نسبة مرتفعة من القطاعات المهنية في الاردن, فطبيب الاسنان الذي لا يواكب بشكل منهجي المستجدات العلمية, وما يطرأ من متغيرات لا يستطيع تقديم خدمة طبية صحيحة, وهذا الامر يظهر بشكل جلي كما اظهرت الدراسة لدى الاطباء كبار السن, فنسبة مرتفعة من الذين تخرجوا قبل ربع قرن او اكثر لم يطوروا معارفهم الطبية, ولا يأبهون كثيرا بالمستجدات العلمية, ولا سيما ان حجم التطورات العلمية في كافة مناحي الحياة خلال العقدين الماضيين تساوي اضعاف ما انتجته البشرية منذ الانسان الاول, وجل ما يحاول عدد من اطباء الاسنان من كبار السن تحديثه لا يتعدى الاجهزة المستخدمة في العمل, واضافات شكلية على العيادة كالديكور على سبيل المثال.
واكد الاستاذ المشارك في كلية طب الاسنان بجامعة العلوم والتكنولوجيا الدكتور ينال نصير على نتائج الدراسة, وقال انه اشرف على الدراسة اكاديميا, ويستطيع القول وهو مطمئن بحياد علمي ان نتائج الدراسة قريبة جدا من الواقع بدرجة 80%.
فرضية الدراسة
استندت الدراسة الى فرضية تشكلت لدى الباحث من جملة ملاحظات استقاها من واقع مهنة طب الاسنان في الاردن, والفرضية تقول ان اطباء الاسنان يمتلكون معلومات طبية مؤكدة عن خطورة فيروس الكبد الوبائي »ب + ج« الذي يتسبب في تشمع الكبد, وسرطان الكبد, ولكن نسبة منهم لا يتخذون تدابير علمية للحيلولة دون انتقال هذا الفيروس من مصابين به, او حاملين له من مراجعي عيادات الاسنان لمعالجة امراض خاصة بالاسنان واللثة, او انتقاله الى الطبيب نفسه.
رغم معرفة اطباء الاسنان, او مَنْ المفترض ان يكونوا على اطلاع على هذا الامر حسب د. عمرو, الا ان مشاهداته كانت تشير خلاف ذلك, ولعل رفض عدد من اطباء الاسنان, خاصة بعض كبار السن منهم معالجة مرضى مصابين او حاملين لهذا الفيروس, لخوفهم من انتقال المرض اليهم, او الى مرضى اسنان يراجعونهم, وذلك بسبب عدم اتخاذهم تدابير الوقاية اللازمة, وهي تدابير غير مكلفة, او ان تحقيقها لا يكبد طبيب الاسنان نسبة كبيرة من دخله, يؤكد ما ذهبت اليه الدراسة مع ان من شأن اتخاذها رفع دخلهم.
ما هو إلتهاب الكبد الوبائي?
التهاب الكبد الوبائي الخطير كما تقول الدراسة ينشأ من فيروسات ال¯ (HEPATITIS) المختلفة »أ+ ب + ج + د +ه¯+ ذ« وأهمها بالنسبة لأطباء الاسنان »ب+ ج«, ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية, يشكل التهاب الكبد الوبائي »ب« احد الامراض الرئيسية على المستوى العالمي, ومع انها مشكلة صحية خطيرة إلا ان امكانية الوقاية من إنتشار المرض ممكنة, وهذا المرض يحتل بعد التدخين المرتبة الثانية كأحد أسباب الاصابة بالسرطان, فهو يتسبب بما نسبته 80% من الاصابات بسرطان الكبد, ويحتل المرتبة العاشرة في قائمة الأسباب الرئيسية للوفاة على المستوى العالمي, أي ما يمثل تقريباً مليون إنسان سنوياً.
فيروس ال¯ (HEPATITIS) الخطير الذي يتسبب بالاصابة بمرض التهاب الكبد الوبائي واسع الانتشار على المستوى العالمي, وتقدر منظمة الصحة العالمية ان ثلث سكان الارض لهم تاريخ مرضي مع هذا الفيروس وتحديداً نوع »ب« منه, وان 400 مليون مصاب مزمن وناقل للفيروس, ويميل إنتشار الفيروس في البلدان النامية, كدول جنوب شرق آسيا, وامريكا الجنوبية, وافريقيا الوسطى, وتؤكد منظمة الصحة العالمية ان 75% من ناقلي الفيروس يعيشون في آسيا, واشارت تقديرات المنظمة العالمية ان البحرين وايران والكويت هي الدول الأقل إنتشاراً لهذا الفيروس على متسوى المنطقة, فيما تعد قبرص والعراق والامارات العربية المتحدة متوسطة الانتشار, وأما الدول التي ينتشر بها بشكل كبير من دول المنطقة هي مصر والاردن, وعُمان وفلسطين واليمن والسعودية. وتشير دراسة اردنية منشوره منذ عام 1990 ان انتشار عدوى هذا الفيروس 36% من عدد السكان وان الانشار كان أعلى لدى المجموعات الأقل حظاً إجتماعياً واقتصادياً.
الفيروس وأطباء الاسنان
تقول الدراسة ان الفيروس من نوع »ب« ينتقل بشكل رئيسي خلال علاج الأسنان, إما افقياً أي من المريض الى طبيب الاسنان, أو من مريض الى آخر, أو من الطبيب الى المريض, أو عموديا من الأمهات المصابات الى اطفالهن, ومن طبيب الاسنان الى الموظفين في العيادة عبر الافرازات الجسدية, مثل اللعاب والدم والسوائل اللثوية, وتقول الدراسة ان غَزّة الابرة خلال علاج الاسنان, كأن تغز الابرة الطبيب بالخطأ هي الاكثر شيوعاً, كما ان الفيروس ينتقل عن طريق العيون, والأنف والفم, وهنالك دراسات عالمية تؤكد انتقال الفيروس من عين المريض الى عين الطبيب, الأمر الذي يجعل استخدام طبيب الاسنان القناع العادي الصغير »الكمامة« غير ذي جدوى للوقاية من هذا المرض, وان استخدام القناع كبير الحجم, الذي يغطي كامل وجه طبيب الاسنان, بما في ذلك العيون يعتبر ضرورة ملحة لحماية الطبيب من هذا الفيروس.
وتقول الدراسة ان أخطر ما في هذا الفيروس ان نسبة غير قليلة من الناس يحملونه من دون ان يعرفوا ذلك, بسبب عدم ظهور اعراض المرض عليهم, وتقديرات التقارير العالمية تفيد بان نصف الاصابات بالفيروس من دون اعراض مرضية, ويشكل عدم الابلاغ عن الاصابة بسبب الجهل بالاصابة قلقاً كبيراً للقطاعات الطبية على المستوى العالمي, واحياناً يلجأ المريض الحامل للفيروس من دون اعراض مرضية الى اخفاء اصابته عن طبيب الاسنان, خشية رفض الطبيب معالجته, الأمر الذي يستدعي اشاعة المزيد من الوعي لدى أطباء الأسنان ولدى المواطنين على السواء, لتحقيق اكبر قدر من الوقاية من انتشار الفيروس.
ورغم ان منظمة الصحة العالمية اوصت عام 1992 جميع دول العالم بضرورة التطعيم ضد فيروس التهاب الكبد الوبائي, وركزت على العاملين في القطاعات الطبية, الا ان الدراسة تؤكد ان 80% من افراد عينة الدراسة - 400 طبيب اسنان - فقط اخذوا مطعوم الكبد الوبائي, وغالباً ما تقدم دول العالم المطعوم مجاناً, ولكن المطعوم في الاردن بالنسبة لاطباء الاسنان ليس مجانياً, والاغرب من ذلك كما تقول الدراسة ان دول العالم خاصة الغربية منها قد عالجت في تشريعاتها هذا الموضوع, والزمت اطباء الاسنان بتناول مطعوم التهاب الكبد الوبائي, ولكن التشريعات في الاردن لم تسر في نفس الدرب, وحينما سأل الباحث نقابة اطباء الاسنان عن هذا الامر كانت الاجابة بان هناك اولويات اخرى اكثر اهمية من هذا الامر لدى النقابة, وحاولت »العرب اليوم« الاتصال بنقيب اطباء الاسنان للتعليق على هذا الامر, لكن محاولاتها باءت بالفشل.
نتائج دراسة د. عمرو
خلصت دراسة د. عمرو الى جملة من النتائج, منها ما هو فني يعني الباحثين ومجتمع اطباء الاسنان, ومنها يمكن تناوله لاهميته في اشاعة الوعي الايجابي لدى الناس واطباء الاسنان.
1- 50% من افراد العينة لا يعرفون ان الفيروس ينتشر في لعاب الانسان.
2- 50% من العينة لا يعرفون عن علاقة الفيروس بسرطان الكبد, وعدد غير قليل منهم استغرب هذه المعلومة.
3- معظم افراد العينة يعتقدون ان افريقيا هي اكبر موطن لفيروس ال¯ HEPATITIS, مع ان نسبة 75% من ناقلي المرض من اسيا, ولا يعرفون ان الاردن من الدول الاكثر انتشاراً بهذا الفيروس.
4- نسبة متدنية من افراد العينة يعرفون ان الفيروس ينتقل من الام الى طفلها الرضيع.
5- 59% من افراد العينة يمتلكون اجهزة ال¯ auto clave لتعقيم الادوات التي يستخدمها طبيب الاسنان بعد استخدامها, مع ان سعر الجهاز يتراوح ما بين الف الى الفي دينار, وهو جهاز يعقم الادوات بالبخار, ويكفل القضاء على فيروس التهاب الكبد الوبائي.
وبحسب د. عمرو فان تعليمات ترخيص عيادات طب الاسنان لا تلزم الطبيب باقتناء مثل هذه الاجهزة, فيما يقتني 41% من افراد العينة اجهزة التعقيم الجافة dry heat, وهذه الاجهزة غير كافية للوقاية من الفيروس.
6- 43% من افراد العينة اعترفوا بانهم يعقمون »القبضة« hand piece - اداة حفر الاسنان- بعد استخدامها لكل مريض, فيما يكتفي 57% من افراد العينة بمسح هذه الاداة من الخارج بالكحول, علماً بان الكحول مادة ترفع من درجة قابلية البيئة لنمو وتكاثر فيروس الكبد الوبائي.
7- 80% من افراد العينة تناولوا مطعوم الفيروس كما ذكر سابقاً.
الخلاصة
خلصت الدراسة الى ان وعي اطباء الاسنان متواضع والمعلومات الطبية لدى نسبة مرتفعة منهم قديمة, وليست كافية لتأهيلهم للتعامل مع المرضى اصحاب الاحتياجات الخاصة, خاصة حاملي فيروس التهاب الكبد الوبائي, وان من شأن اتباع طبيب الاسنان للقاعدة الذهبية universal precantion التي تعني التعامل مع كل مراجع لعيادة الاسنان بوصفه مريض كبد وبائي من حيث اجراءات الوقاية, سيرفع من كفاءة العمل لدى اطباء الاسنان, ويخفض من نسبة انتقال وانتشار الفيروس.
واوصت الدراسة اطباء الاسنان باستخدام طريقة التعقيم بالبخار, وتعقيم كافة الادوات والاسطح التي لمسها المريض بعد كل معالجة, وهي اجراءات غير مكلفة, كما اوصت الدراسة بمعالجة هذا الموضوع في التشريعات.0









