سيمون هندرسون
زميل معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى
ترجمة: امل الشرقي
19/9/2008
اعلنت طهران الشهر الماضي انها تقوم بانشاء مكاتب بحرية في جزيرة "ابو موسى" الواقعة في الخليج الامر الذي اجج من جديد النزاع القديم بين ايران والامارات العربية المتحدة. فمنذ العام 1970 والخلاف حول عائدية الجزيرة المذكورة وشقيقتيها طنب الكبرى وطنب الصغرى دائر حول مطالبات تاريخية ومطالبات مضادة, وهو الخلاف الذي يحول دون اقامة علاقات دبلوماسية بين ايران ودول الخليج العربية. وقد تكثفت الجهود الدبلوماسية حول التطور الاخير لتصل الى احتجاج رسمي رفعته دولة الامارات العربية الى بان كي مون الامين العام للامم المتحدة الامر الذي يعتبر تحولا عن مسار النزاع في الماضي وينذر بتصعيد وشيك في المستقبل. وبالنظر للاهمية الاستراتيجية لتلك الجزر الواقعة بالقرب من مضيق هرمز الذي يمر عبره 20 بالمئة من نفط العالم يوميا, فان نتيجة النزاع ترتبط بشدة بمصالح الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
في الثاني من ايلول الجاري اصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي بيانا يدين الاجراء الايراني ويطالب ايران بازالة منشآتها غير المشروعة واحترام سيادة دولة الامارات العربية. في اليوم التالي قال متحدث بلسان وزارة الخارجية الايرانية ان دول مجلس التعاون تدخلت في "شؤون ايران الداخلية". ومضى المتحدث الى القول "ان جميع الاجراءات الايرانية في "ابو موسى" مشروعة تماما تبعا لحق ايران في حكم هذه الجزيرة الايرانية" وكان الامين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن العطية قد شبه قبل ذلك باسبوعين الحضور الايراني في تلك الجزر بالاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية, وهو نفس التشبيه الذي اعتمدته دولة الامارات العربية في بيان رسمي لها صدر في شهر ايار الماضي.
اصل النزاع
في القرن التاسع عشر, نزلت قوات البحرية البريطانية في الجزر الثلاث كجزء من مهمتها في مكافحة القرصنة. ومنذ ذلك التاريخ حفلت السجلات الرسمية البريطانية بالفوضى حيث جاءت فيها نصوص بمنح تلك الجزر لايران التي كانت تعرف في حينه ببلاد فارس والى شيوخ القبائل في الجانب العربي في آن واحد معا في 30 تشرين الثاني عام ,1971 وقبل يوم واحد من اعلان استقلال دولة الامارات العربية عن البحرين, قامت ايران باحتلال الجزر الثلاث. لم تكن بريطانيا في وضع يمكنها من ردع الشاه لان قواتها كانت تنسحب من الخليج, كما لم تكن دولة الامارات الوليدة للتو قادرة على الرد. لكن الاعتقاد السائد هو ان بريطانيا سمحت لايران بالاستيلاء على الجزر مقابل تنازل طهران عن مطالبتها باراضي البحرين التي نالت استقلالها عام 1971 بعد فشل خطة بريطانيا لشمولها وقطر ضمن دولة الامارات العربية المتحدة. وكان من باب المفارقة التاريخية ان يؤيد كبار المسؤولين الامريكيين استيلاء ايران على الجزر لانه كان يملأ الفراغ الامني الناجم عن الانسحاب البريطاني.
اصبح النزاع منذ عام 1971 مكونا مهما في الدبلوماسية الاماراتية سواء في المحافل العربية او الدولية. كما كان عاملا في الجمع بين الامارات المتباينة في الحجم والثراء. فامارة الشارقة, وهي ثالث اكبر الامارات بعد ابو ظبي ودبي, هي التي تطالب بجزيرة "ابو موسى" في حين تطالب امارة رأس الخيمة بجزيرتي "طنب الكبرى" و"طنب الصغرى". في 13 تشرين الثاني, ,1971 قبل حاكم الشارقة على مضض باتفاق مؤقت مع ايران يقود الى المشاركة في عائدات النفط المتحققة في جزيرة "ابو موسى" وفيما يدعي كل من الاطراف المذكورة السيادة على الجزر, قامت ايران عام 1992 بتغيير الاوضاع القائمة عن طريق تقييد منفذ الامارات العربية الى الجزر والزيادة الكبيرة في الحضور الايراني فيها بما في ذلك الحضور العسكري. وبرغم الاتفاق الجزئي بين ايران والامارات على الحدود البحرية بين البلدين فان الاتفاق لا يشمل المنطقة المحيطة بالجزر.
وكان مما يضعف مطالبة دولة الامارات بالجزر, وخصوصا جزيرة "ابو موسى" عدم قدرتها على مواجهة الانتهاكات التي لحقت بمذكرة التفاهم الاصلية الموقعة عام .1971 وفي هذه الاثناء, ازداد الموقف الايراني قوة. ورغم استعدادها للحديث مع جاراتها الاضعف, فان ايران ترفض مبدأ التفاوض حول الجزر كما انها رفضت الاقتراح الاماراتي بعرض النزاع على محكمة العدل الدولية في لاهاي.
وقد تلقى الموقف الدبلوماسي الايراني المزيد من الدعم من انفراط عقد الموقف العربي الموحد ازاء القضية عندما امتنع العراق في وقت مبكر من هذا العام عن اي ارتباط بالنزاع المذكور في بيان صدر في ختام اجتماع لاتحاد البرلمانات العربية. ويتناقض هذا الموقف بشدة مع الموقف العراقي ايام حكم صدام حسين عندما كانت بغداد تتصدر الصفوف المدافعة عن القضية وذهبت الى حد القيام بمحاولة فاشلة للاستيلاء على الجزر الثلاث في بداية الحرب العراقية الايرانية عام .1980
تحدي الولايات المتحدة
دأب المسؤولون الايرانيون في الشهور الاخيرة على التصريح بان اية مواجهة عسكرية مع طهران بسبب برنامجها النووي سوف تقود الى اعمال انتقامية في الخليج. في شهر اب, كتب مسؤول كبير في الحرس الثوري الايراني, مشيرا الى الاهمية الاستراتيجية للجزر الثلاث, يقول: ان اغلاق مضيف هرمز جزء من سياسة ايران الدفاعية بوجه التهديد العسكري الامريكي". ورغم ما جاء على لسان القادة العسكريين الامريكيين بان مثل هذه المحاولة ستكون قصيرة الاجل وسوف تستدعي ردا واسعا, فان ثمة قلقا من ان تتمكن ايران من تحقيق بعض النجاح ضد البحرية الامريكية من خلال استخدامها للزوارق الصغيرة السريعة.
يعتبر القرار الايراني بفتح مكتب تسجيل السفن في جزيرة "ابو موسى" تنافسا مع مكتب تسجيل السفن العماني حيث تعتبر عمان نفسها راعية الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وتقع قنوات مرور السفن الداخلة والخارجة من والى المضيق داخل الجانب العماني من المياه الاقليمية حسب الاتفاق السابق مع ايران. وتمر القنوات الملاحية الى الشمال من جزيرتي طنب الكبرى والصغرى في حين تقع جزيرة "ابو موسى" الى الجنوب منها.
من الصعب معرفة المدى الذي ستذهب اليه الحرب الكلامية الدائرة, لكن يبدو ان من المرجح ان تسعى دولة الامارات العربية الى الحصول على نوع من التأييد الدولي للامم المتحدة لموقفها. في هذه الاثناء, من الممكن جدا ان تحدث مواجهات بين السفن الايرانية وسفن البحرية الامريكية وحلفائها. في الشهر الماضي, كانت هناك تدريبات بحرية شاركت فيها سفن امريكية وبريطانية وبحرينية. وقد صرح القائد البريطاني بان تلك المناورات التي استمرت خمسة ايام هدفت الى شحذ الخبرات اللازمة للاستدلال على السفن التي تهدد الدوريات البحرية في الخليج وملاحقتها. وكانت ايران قد اعلنت قبل ذلك بيومين انها قد ابتدأت خطا لانتاج الغواصات. اما وزير الدفاع الايراني فقد قال بان ايران تعتبر نفسها "حامية امن مضيق هرمز الاستراتيجي".
لقد اتسم موقف دول الخليج العربية بالغموض فيما يتعلق بكيفية التعامل مع ايران. وتبدو كثافة التنازع الاخير مخالفة لما عرف عن تلك الدول من دبلوماسية حذرة. كما ان هناك خطرا من التصعيد, وتفاقم ايران الموقف عندما راحت تشتكي مؤخرا من سوء المعاملة التي يلقاها مواطنوها في دولة الامارات العربية حيث يعيش حوالي 450 الف ايراني يعتبرون جزءا من شبكة تجارية ثنائية. وما زال علينا ان ننتظر لنرى ما اذا كانت اجراءات ايران في "ابو موسى" علامة على موقف واثق بالنفس ام انها تحديات عدوانية.0
عن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى"








