ناهض حتر
العالم أجمل مع روسيا
(28/8/2008)
" نحن لا نخشى الحرب الباردة " يقول الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف , ويتابع مخاطبا الغرب :" إذا أردتم تخريب العلاقات مع روسيا , فستحصلون على ذلك". انها تصريحات جريئة تذكر بتعليقات نيكيتيا خروتشوف في مطلع الستينيات, ذلك الرئيس السوفييتي العنيد الذي ما زال حذاؤه معلقا في فضاء نيويورك ! الآن, الثنائي ميدفيديف ـ بوتين يهويان به على رأس الغرب.
لم يتردد الكرملين لحظة واحدة في الاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. ولن يعود أمام واشنطن وحلفائها سوى إدارة الخد الأيسر أو قبول التحدي. في الحالتين, سيكون على جورج بوش أن يسلم البيت الأبيض لخلفه وقد خسرت الولايات المتحدة مقعد القطب الأوحد.
روسيا المدججة بالعقيدة القومية والسلاح , وصلت إلى قناعة إستراتيجية هي أن إزدهارها ليس ممكنا بالتعاون مع الغرب , بل بالصراع معه. وهي ستخوض الحرب الباردة الجديدة ليس لأن الحرب تلك تناسبها , بل لأن الغرب لم يترك لها غير الدفاع عن نفسها بالحروب الساخنة.
الاقتصاد الروسي, بالطبع , ما يزال ضعيفا بالنسبة للاقتصاد الأمريكي. لكن الأول ينمو, وتزدهر معه وحدة روسيا ووطنيتها, بينما الثاني يتباطأ بالتفاعل مع مجتمع منقسم فقد التفاؤل ودولة فقدت صدقيتها واتسخت صورتها, وخسرت " معركة العقول والقلوب" ليس في العراق فقط, وإنما في العالم كله.
روسيا تحتاج إلى التصعيد حاجتها إلى تجديد ذاتها. فإحدى الميزات الرئيسية القليلة المتاحة لموسكو تكمن في قوتها العسكرية. ومن العبث عدم استخدامها لتحقيق اهداف واقعية في استعادة محيطها الجغراسياسي إلى دائرتها الاقتصادية ـ سوقها, وتعزيز شروط شراكتها في النظام الدولي, وتفعيل الفرع الصناعي الأكثر تطورا لديها, أي من كل ذلك ان مصانع السلاح, وتأمين شبكتها في انتاج وتوزيع الطاقة. والأهم أن وحدة روسيا نفسها ستظل مهددة ما لم تتمكن موسكو من إعادة توحيد مجالها الحيوي كما كان في الفترة السوفييتية.
روسيا بدأت للتو صراعا طويلا ولكنه سينتهي بإعادة تمددها في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, على الأقل في المدى السلافي الأرثوذكسي الكبير. وهذه منطقة حضارية متداخلة مع المنطقة الحضارية الإسلامية , ومتعاضدة معها , بدءا من الاتحاد الروسي نفسه إلى الجمهوريات الاسلامية الآسيوية المنخرطة في "منظمة شنغهاي" التي تجمع شريكيّ روسيا الكبيرين, الصين والهند.
حتى قبل ساعات من توقيع ميدفيديف على مرسوم الاعتراف بالجمهوريتين المستقلتين عن جورجيا, كان السياسيون والمحللون في الغرب, يستبعدون هذا الاجراء, ويحسبونه مجرد تهديد فارغ. ثم ثبت ان موسكو جادة كليا في خوض الصراع.
العرب ما يزالون غير مصدقين ما يحدث: القطب الروسي يعود إلى ساحة الصراع الدولية, وسيكون لعودته آثار راهنة وبعيدة المدى على منطقتنا وملفاتها:
أولا, إعلان الجيش الروسي أنه دمر قاعدة جوية جورجية كانت معدة لعدوان أمريكي على إيران, هو رسالة صريحة بأن العدوان على الحليف الإيراني ممنوع, وأن الحل الوحيد الممكن لقضية الملف النووي الإيراني, هو الحل السلمي.
ثانيا, سوف تتمكن سورية من العودة إلى سياسة التوازن الإستراتيجي مع " إسرائيل". وهي سياسة أصبحت الآن أكثر واقعية من أي وقت مضى بالنظر إلى تنامي قوّة حزب الله وولادة معادلة الرعب المتبادل مع " الإسرائيليين". سوف تدفع عودة روسيا إلى القطبية , دمشق إلى التشدد في مواقفها في السياسة الخارجية, وإذا تابعنا التحليل حتى منتهاه فلا بد أن ينعكس ذلك في التراجع عن الخصخصة والتحالف مع الرأسمالية في السياسة الداخلية.
ثالثا, وعلى هذه الخلفية لم يعد بالإمكان الحديث عن سحب سلاح حزب الله في لبنان أو تغيير المعادلة الداخلية في ذلك البلد.
رابعا, سوف يتعزز أكثر فأكثر دور حماس في الساحة الفلسطينية على حساب " السلطة".
خامسا, والأهم.. هو التغيرات التي ستحصل في الشأن العراقي. سوف تجدد موسكو ضغوطها السياسية والاعلامية ضد الاحتلال الامريكي في العراق, وسوف يكون لها , بوصفها حامية لإيران, نفوذ قوي على سياسات طهران العراقية. ويمكن لسورية, المدعومة بالوجود العسكري الروسي, أن تعاود تقديم الدعم للمقاومة العراقية وتفعيلها. وهناك سيناريو واقعي منتظر: الأسلحة الروسية الحديثة سوف تتدفق على العراق, وسوف يواجه الجيش الأمريكي, مصاعب جدية في قدرة المقاتلين العراقيين على تدمير الدبابات والآليات واسقاط المروحيات, ما يعني تجريد جيش الاحتلال من تفوقه العسكري, تماما مثلما حصل مع جيش الاحتلال " الإسرائيلي" في جنوب لبنان .2006
العالم أجمل مع روسيا قوية تستعيد دور القطب الدولي.
أرشيف الكاتب |