ناهض حتر
لبنان تجاوز خطر الحرب الأهلية
(10/5/2008)
حسمت قوى المعارضة اللبنانية, بسرعة وكفاءة, الصراع في بيروت ولبنان كله. وقطعت, تاليا, مخططات الحرب الأهلية في لبنان, وسيطرت على الموقف كليا. وكانت هذه النتيجة متوقعة. فمنذ سنتين كانت أوساط المعارضة اللبنانية, تؤكد أنه لن تكون هناك حرب أهلية في البلد, بالنظر إلى قدرتها على حسم المعركة في 72 ساعة. بل وكانت أوساط الموالاة نفسها تعرف أن ميزان القوى على الأرض ليس في مصلحتها, لكنها كانت تراهن على فتنة مذهبية شيعية سنية, وعلى أن القوة المسلحة الرئيسية في المعارضة, أي حزب الله, سوف تصبر على التمادي, خوفا من التورط في تلك الفتنة, وخصوصا في ظل الاقتتال المذهبي في العراق. لكن ذلك الاقتتال وأثره الإقليمي قد طويت صفحته, بينما ذهبت حكومة فؤاد السنيورة, تحت ضغوط أمريكية عاجلة, إلى الحد الأقصى في التصعيد, حين قررت جر الجيش إلى مواجهة مع حزب الله حول شبكة اتصالاته.
رهان جبهة 14 آذار كان, بصورة رئيسية, على تدخل الجيش اللبناني لصالحها لدى وقوع تصعيد, لكن ذلك الجيش أظهر, وقت الشدة, أنه مخلص لعقيدته الوطنية وحياده السياسي, فترك موازين القوى على الأرض لتحسم الصراع. وهكذا انهارت مليشيات تيار المستقبل في ساعات, وانسحبت مليشيا وليد جنبلاط من المعركة, بينما طلب زعيمها الحماية من رئيس حركة أمل, نبيه بري, وأصبحت السراي الحكومية تحت رحمة المعارضة. وجرى إغلاق المؤسسات الإعلامية والمقرات التابعة لتيار المستقبل, بينما تحركت النائب بهية الحريري, في حركة انشقاقية, نحو استيعاب التوتر في صيدا, والتفاهم مع أنصار المعارضة في الجنوب.
التناغم الذي ظهر بين مسلحي المعارضة والجيش اللبناني, هو تناغم وطني لا يدل على انحياز المؤسسة العسكرية, بل على التزامها بالانتشار وحفظ الأمن. ولا بد أنها رحبت وترحب بقيام مسلحي المعارضة, بتسليم العسكريين, المناطق والمكاتب والمؤسسات المستولى عليها, وكذلك المئات من أسرى الموالاة.
تصرفت المعارضة اللبنانية, بكل أطيافها, بحكمة. فهي لم تسئ إلى المواطنين, ووعد ممثلها في الحوار الوطني, الجنرال ميشيل عون, الجميع بالأمان, وأمل باستقالة حكومة السنيورة, لكي يمكن إعادة الحياة إلى طبيعتها, بما في ذلك, تفكيك مخيم المعارضة في وسط بيروت التجاري. كذلك, بادر الامير طلال أرسلان, من قادة المعارضة, إلى الاتصال بوليد جنبلاط المحاصر, وطمأنته على حياته وكرامته.
على أطراف الموالاة في لبنان, أن تعيد حساباتها الآن. فالإصغاء إلى التحريض الأمريكي والإقليمي, جرها إلى هزيمة مدوية, وأصبح عليها الآن أن تختار بين حل توافقي على أساس ميزان القوى اللبناني, ما يجنّب البلد, مصائب هو في غنى عنها, وعودة الحياة إلى طبيعتها, واستعادة الاقتصاد اللبناني عافيته, أو أنها تلجأ, مرة أخرى, إلى الدعم الخارجي الذي لن يفيدها أبدا. فلن يستطيع الأمريكيون والإسرائيليون في لبنان, شيئا سوى شن عدوان سيبوء بالفشل والهزيمة, ويجعل من إمكانية المصالحة الداخلية, من الماضي.
بل أن على تيار المستقبل, القوة الرئيسية في الموالاة, أن تنتبه إلى أنها تُستَخدَم من قبل أمراء الحرب الأهلية مثل سمير جعجع ووليد جنبلاط, المستعدين للتخلي عن الحليف حالما تقع الواقعة. وربما يقف النائب سعد الحريري, مليا, أمام التعميم الذي أصدره جنبلاط إلى مقاتليه بالانسحاب لأن المعركة هي " بين حزب الله وتيار المستقبل" !! أما جعجع, فليس في جعبته الكثير, إذ يشل التيار الوطني الحر, حركته وقدرته على التدخل.
وتيار المستقبل نفسه أصبح, بعد هزيمته المدوية في بيروت, في حالة تفكك, وانطلقت, على الفور, الأصوات السنية المستقلة المكبوحة سابقا, عاليةً, في مسعى لإنقاذ الطائفة من خلال تجديد التحالف الإسلامي مع حزب الله.
لقد نشأ الآن في لبنان وضع يتطلب الكثير من الحكمة من قبل المعارضة والموالاة, وكذلك من قبل الدول العربية المعتدلة التي آن لها أن تقفز من السفينة الأمريكية الغارقة في كل مكان, وتؤيد حلا داخليا في لبنان, يأخذ بعين الاعتبار, ضرورة إطفاء بؤرة التوتر اللبنانية. وربما يكون ذلك مدخلا لإجماع عربي على موقف موحد من الشأنين الفلسطيني والعراقي.
أرشيف الكاتب |