ناهض حتر
العراق عائد .. فلنعجّل بعودته!
(31/3/2008)
فشلت "صولة" نوري المالكي في البصرة. ويظهر أن تلك "الصولة" لم تكن محسوبة النتائج, ولا كانت التصريحات الحامية لصاحبها, في مكانها, بينما كانت قواته تتقهقر في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب, أمام جحافل المنتفضين. وهو ما يدعو للتساؤل حول واقعية تقديرات الحكومة العراقية لموازين القوى في البلاد. ولا نعرف ما إذا كان المالكي هو الذي غرّر بالرئيس الامريكي بوش, لكي يعلن الاخير عن اقتراب ساعة "نصره" في العراق, أم ان هوس بوش بتحقيق انجاز مستحيل في ذلك البلد, هو المسؤول عن لا واقعية المالكي?
على كل حال, يمكننا القول ان انتفاضة الجماهير الشيعية ضد الاحتلال وعمليته السياسية, قد أنجزت تطورا مهما جدا في مسار القضية العراقية, من حيث أنها ظهرّت صورة كانت مظللة وملتبسة حتى الأمس القريب. ونرى, في الصورة, الآتي:
أولا, انفضاض القسم الرئيسي من جماهير الشيعة العراقيين عن العملية السياسية الاحتلالية, والتحول نحو الصدام العنيف معها, سياسيا وعسكريا. ويُعد هذا, بحد ذاته, حدثا مفصليا في مسيرة المقاومة العراقية. ذلك أن كل دعاوى المشروع الامريكي في العراق, تقوم على التأييد المفترض والغامض للأغلبية الشيعية التي اتضح انها انتقلت, نهائيا, الى المقاومة والمعارضة.
ثانيا, نشوء تيار جماهيري عريض في وسط العراق وجنوبه, مناهض للاحتلال الامريكي, وحكومة المحاصصة الطائفية, وأحزابها, ولا سيما "حزب الدعوة" و"المجلس الاسلامي الاعلى" - "قوات بدر", مما يمثل انشقاقا بالغ الاهمية, يكسر صدفة "الائتلاف الشيعي" المذهبية, ويفرز القوى, داخل الطائفة, على اساس وطني.
ثالثا, تحجيم النفوذ الايراني في الاوساط الشيعية, وحصره في أحزاب وشخصيات وأجهزة الحكومة الموالية للمحتلين. فالتيار الجماهيري الشيعي العريض, يمور بين العداء الكامل للتدخل الايراني, ومطاردة عناصر المخابرات الايرانية, وبين موقف مقتدى الصدر الذي يقول بـ "أخوة المذهب", ولكنه يرفض, صراحة, "الامتداد الايراني, السياسي او العسكري, داخل العراق". وهكذا, لم يعد مسموحا به, بعد اليوم, حَمْل الشيعة العراقيين على محمل ايران, او احتسابهم, ببساطة, عندها او عند قرارها. وهو ما يرتب على كل من تعز عليه عروبة العراق ووحدته وحريته, الكف, نهائيا, عن اتخاذ اي موقف تَشتمّ منه رائحة المذهبية البغيضة, نحو الشيعة العراقيين, والسعي الدؤوب لانشاء علاقات متعددة الاشكال, رسمية وشعبية, مع الهيئات والشخصيات الشيعية العراقية الوطنية, وتصليب مواقفها العروبية, ومساعدتها, بكل الوسائل, على تعزيز استقلالها السياسي عن تأثير القوى المرتبطة بطهران و/او بالاحتلال الامريكي.
رابعا, انكشاف التعاون الامني الميداني بين الامريكيين والايرانيين في العراق, اذ طلب الاوائل من الاخيرين, علنا, التدخل للضغط على قوى المقاومة الشيعية, لصالح حكومة المالكي. وقد استجابت طهران, على غير صعيد, لهذا الطلب. ولم يعد مقبولا, بعد اليوم, ان يحاول اي عربي وطني ان يفسر السياسات الايرانية في العراق, بـ "الغموض" او "الازدواج" او نحو ذلك من التفسيرات التي لم تصمد امام حقائق التطورات الميدانية الاخيرة.
وعلى هذه الخلفية, تتضح مهمات عربية عاجلة, من اجل تأمين انتصار حركة التحرر الوطني العربية في العراق, وانطلاقا منه, وهي:
اولا, الانفتاح على القوى والشخصيات الوطنية الشيعية العراقية, وتعضيدها, سياسيا واعلاميا وماديا, وفتح العواصم العربية امامها, بما يخلق التواصل الفعال بين شيعة العراق وعمقهم العربي.
ثانيا, القيام بمبادرات ملحاحة - ليس للمصالحة بين الطائفيين المؤيدين للاحتلال وعمليته السياسية في الجانبين - وانما لتوحيد قوى المقاومة والوحدة والعروبة في المناطق السنية والشيعية.
ثالثا, رفض التسليم بالنفوذ الايراني في العراق, وفضحه باعتباره محصورا بالقوى المذهبية المليشياوية الغريبة غير العراقية والمؤيدة للاحتلال الامريكي.
رابعا, نبذ كل اشكال وافكار وممارسات التعصب والانشقاق المذهبيين.
خامسا, اعتبار تجربة نظام الرئيس صدام حسين, والقوى المرتبطة بها, من الماضي, والبحث مع العراقيين, وفي اطار عربي, عن صيغة حديثة عراقية للدولة الوطنية الجديدة, لمرحلة ما بعد الاحتلال الذي يتهاوى.
خامسا, مقاطعة الانفصاليين الاكراد, وكل القوى الانفصالية او المذهبية او المنغلقة في العراق.
الانتفاضة الشيعية العراقية ضد الاحتلال واعوانه, هي بشير لا يخطئ باقتراب ساعة هزيمة المشروع الامريكي في العراق. ولعله آن الأوان لكي ينتبه المراهنون على نجاح ذلك المشروع, او نجاح الايرانيين في وراثته, الى ان اللعبة قد انتهت, فالعراق الحر الموحد العربي القوي عائد. ومن مصلحتنا وواجبنا ان نساعد على التعجيل بعودته.
أرشيف الكاتب |