ناهض حتر
بغداد تستقبل أول حاكم إيراني منذ الصفويين !
(3/3/2008)
العنوان الإخباري نفسه يطرح السؤال عن علاقة البلدين الجارين والعدوين اللدودين : العراق وإيران, تلك العلاقة التي ارتوت بالدم والتنافس والبغضاء على مر العصور .. منذ الاحتلال الفارسي للعراق, إلى معركة القادسية التي كانت شرارة انطلاق العروبة في التاريخ إلى الفتح العراقي الإسلامي لإيران, إلى الاحتلال الصفوي المضاد, إلى هزيمة الصفويين على أيدي العثمانيين, وهزيمة الملالي على أيدي صدام حسين ...
ما الذي يلخص هذه العلاقة غير " الحرب " ? وهل يمكن أن يزور حاكم إيراني, لأول مرة, منذ قرون, بغداد, ولا يحمل معه أطياف صراعات ومعارك وصدامات عسكرية وقومية وحضارية وجغراسياسية لا تنتهي? أتكون هذه زيارة السلام والتصافي بين بلدين " شقيقين" ليس فقط في الدين, وإنما, أيضا, في المذهب? وهل هي بداية علاقات جوار تنموية ودفاعية وإنسانية, تقفل صفحة الماضي ?
يا ليت ! فرئيس جمهورية الملالي, أحمدي نجاد, يزور العراق, وهو مكسور الجناح في ظل الاحتلال الامريكي الثقيل الإجرامي الخارج من مقابر النازيين, احتلال سهّلته إيران, سياسيا وأمنيا, ولم يكن ممكنا من دونها, احتلال قام واستمر بفضل الدعم الإيراني للنظام السياسي والأمني الذي أقامه الغزاة في العراق, وبفضل التدخل المخابراتي لطهران في منع تبلور المقاومة الشيعية, ودعم المليشيات المذهبية التي قدمت للعراق تحت ظل الحراب الامريكية من مخبئها الإيراني.
العراق المحتل الفاقد للسيادة والاستقلال والقوة , لا يمكنه أن يعقد صداقات, ولا يمكنه أن يبرم معاهدات . وهو لا يفعل سوى أنه يستقبل احمدي نجاد في ظل غاز كبير. وهي مناسبة, لكي نذكّر بأن الأجهزة الإيرانية ومليشياتها, استباحت جنوب العراق منذ ,2003 نهبت, ودمرت, وحرضت مذهبيا, وقتلت المعارضين والعلماء والطيارين والمهنيين والمثقفين العلمانيين, وفرّست البصرة, وأذلت أهلها.
في زيارة نجاد طيف صفوي يؤشر إلى استمرار الصراع لا إلى نهايته, ويؤذن بمرحلة الاحتلال الإيراني بعد أفول الاحتلال الامريكي, وتنبثق من سجادته الحمراء, دماء الشعبين الشقيقين, مرة أخرى. فالعراقيون, الشيعة قبل السنّة, لن يقبلوا بتبعية بلدهم لطهران, وسيقاتلون الاحتلال الآتي مثلما قاتلوا الاحتلال الآيل للسقوط.
بين العراق وإيران, قضايا صراع حقيقية, لا مختلقة, بعضها ينوب فيه العراقيون عن العرب في مجابهة قومية, وبعضها ثنائي يتعلق بالاعتداءات الإقليمية الإيرانية على أرض العراق ومائه ونفطه وأمنه, وبعضها صراع على مركزية التشيع وقوميته, وبعضها وأهمها ذلك الصراع الخفي العلني بين كيانين يسعى كل منهما إلى اشغال موقع الدولة المركزية الأولى في إقليم الخليج.
وجمهورية الملالي, التي استغلت سقوط العراق في الاحتلال والفوضى, لحسم قضايا الصراع العراقي الإيراني لمصلحتها, تبني وجودها في هذا البلد المنكوب على رمال متحركة, سوف تغوص فيها حتى الرقبة.
غير أننا لا ندعو إلى تأبيد الصراع العراقي الإيراني . كلا . بل ندعو الشعبين الشقيقين إلى تفاهم أصيل, يفضي إلى تعاون وتحالف دائمين. ولا شيء يمكننا أن نطلبه من العراق المحتل, بل من إيران المستقلة التي عليها أن تكف عن دعم مليشيات الانفصال المذهبية, وتقدم الدعم للمقاومين العراقيين, من دون التدخل في الشؤون العراقية.
ما يحتاجه العراق الآن هو التحرر من الاحتلال والفوضى والدمار. ويمكن لإيران أن تلعب دورا مهما في هذا المجال يكون أساسا لبناء علاقات إيجابية دائمة بين البلدين, وحينها يمكن حل كل مسائل الخلاف الثنائية بروح الإخاء والنضال المشترك ضد الاستعمار والاستكبار.
أرشيف الكاتب |