ناهض حتر
المقاومة العراقية, هل انتهت؟ (2-2)
(31/12/2007)
المرحلة الاولى من المقاومة العراقية انتهت بوصولها الى سقفها السياسي, وهو اضطرار المحتلين الى تغيير استراتيجيتهم جذريا, والاعتراف بثقل ونوعية المكوّن السني في البلد, والذهاب الى تسوية تقوم على المناصفة السنية-الشيعية, بدلا عن المثالثة مع الاكراد الذين سيعودون الان الى حجمهم الطبيعي في المعادلة العراقية والاقليمية, ولن يشكلوا, بعد, فدرالية توسعية-قضية كركوك مثلا تسير نحو الحل على اساس عراقية المدينة, وليس كرديتها.
انجازات المقاومة العراقية في مرحلتها الاولى, رغم ما واجهته من قوى شرسة ورغم ما اعتراها من ضعف سياسي داخلي-شرحناه امس-, هي انجازات جبارة. فهي انقذت العالم العربي كله من الانحلال تحت وطأة هزيمة جرى الرد عليها بسرعة خارقة غير مسبوقة بقتال ضار غير مسبوق من المقاومات عبر التاريخ.
وقد عرقل هذا الرد العاصف, المشروع الاستعماري الامريكي في العراق والمنطقة ووجه اليه ضربات موجعة جدا.
البنية العراقية, مثلما قلنا دائما, مستعصية على الاستعمار, بمعنى ان شروطها الداخلية هي اقوى من شروطها الخارجية-ومع ذلك, فان سرعة انطلاق المقاومة العراقية وحجمها وقدرتها على ايقاع خسائر جسيمة في صفوف جيش الاحتلال وشله عسكريا وامنيا منذ ربيع ,2004 اثبتت هذه النظرية, وبرهنت على الفشل التاريخي لاستراتيجية المحافظين الجدد القائمة على امكانية تغيير البنى الوطنية بالقوة العسكرية. هذه الاستراتيجية اصبحت من الماضي الان.
استطاعت المقاومة العراقية في اربع سنوات من القتال, ان تعيد ترتيب موازين القوى الاقليمية لصالح الدول والقوى المحلية في المنطقة, كل منها وفقا لطاقته وقدرته على الاستفادة من المأزق الامريكي في العراق. واكبر الرابحين هم ايران وسورية والمعارضة اللبنانية وحركة »حماس«.
وعلى المستوى العالمي, شكلت السنوات الاربع الفائتة من غرق الامريكيين في حرب العراق, فرصة ذهبية للصين وروسيا للتحول الى قطبين دوليين, ولليسار الامريكي اللاتيني للنهوض وتسنم السلطة في عدة بلدان في »الحديقة الخلفية« للاستعمار الامريكي, على حساب النفوذ والمصالح الامريكية بالذات. وعلى مستوى موقع امريكا الشمالية في المنافسة الدولية, خسرت واشنطن, حرب المنافسة في كل المجالات, ما عدا واحدا هو المجال العسكري. ولا يمكن ان تستمر دولة عظمى في الهيمنة الدولية من خلال قدرات البلطجي وحده, من دون قدرات اقتصادية وثقافية وايديولوجية ناجحة. وقد خسرت واشنطن في حربها على العراق, كل شيء تقريبا, من السيطرة شبه الشاملة على قطاع النفط الدولي, حيث قضمت روسيا والصين والهند, حوالي ثلث هذا القطاع, الى قوة الدولار. وبرز في التجارة الدولية منافسون اقوياء في كل حقول الصناعة والتقانة. لكن الهزيمة الكبرى التي لحقت بالامبراطورية الامريكية, هي هزيمة ايديولوجيتها وثقافتها التي ارتبطت في العقل الجمعي للبشرية بالبربرية والحرب والدماء والاستغلال والامبريالية. لقد تغير العالم, بالفعل, منذ 2003 ولكن بالاتجاه المعاكس لارادة الولايات المتحدة.
لا نعرف متى سوف تنطلق المرحلة الثانية من المقاومة العراقية, ولكنها ستأتي في المدى المنظور على شكل ثورة وطنية شعبية مضادة للمذهبية وربط السياسة بالدين والنفوذ الاقليمي خصوصا الايراني. وسوف تعصف هذه الثورة بالاحتلال وبنفوذ الامريكيين في المنطقة والعالم. وسوف يدهشنا العراقيون مثلما فعلوا دائما.
لم يقاتل احد من العرب بشجاعة وقوة ومثابرة العراقيين. وهو ما سيتحول, لاحقا, الى رصيد لهم في شرعية قيادة العالم العربي. قدر العراق ان يقاتل حتى النهاية, وقدر الامبراطورية الامريكية, ان تتهشم في العراق.
أرشيف الكاتب |